السيد كمال الحيدري
110
الإنسان بين الجبر والتفويض
لهما ؛ هما الجبر والتفويض ، بل بينهما منزلة عريضة تصفها الأحاديث بأنّها أوسع ممّا بين السماء والأرض . الحصيلة هكذا يتهاوى الموقفان الجبري والتفويضي ولا يصمدان أمام التمحيص العقلي والمناقشة النقلية قرآناً وسنّة ، وبتهاويهما يسقط هذا الاستقطاب الذي عرفه الفكر الكلامي بين الأشاعرة والمعتزلة ، لينفتح الطريق أمام رؤية جديدة هي تلك التي تعبّر عن نفسها بمقولة الأمر بين الأمرين . والحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها أنّ الأمّة كان بمقدورها أن تنأى عن هذا التخبّط الذي وقعت به ، لو أنّها انتهلت من « العين الصافية » « 1 » للمعرفة الدينية ، ولم توصد أبواب آل البيت عليهم السلام الذين
--> ( 1 ) في « الطرائف » روى أنّ الحجّاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو بن عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبي ، أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر ، فكتب إليه الحسن البصري : أنّ أحسن ما انتهى إليّ ما سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال : « أتظنّ أنّ الذي نهاك دهاك ؟ وإنّما دهاك أسفلك وأعلاك ، والله بريء من ذاك » . وكتب إليه عمرو بن عبيد : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « لو كان الزور في الأصل محتوماً لكان المزوّر في القصاص مظلوماً » . وكتب إليه واصل بن عطاء : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « أيدلّك على الطريق ويأخذ عليك المضيق ؟ » . وكتب إليه الشعبي : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « كلّما استغفرتالله منه فهو منك ، وكلّما حمدتالله عليه فهو منه » ، فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجّاج ووقف عليها ، قال : « لقد أخذوها من عين صافية » . الطرائف ، ص 95 ، عن بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 59 ؛ الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 103 - 104 . ومحلّ الشاهد في الاقتباس هو تعبير « العين الصافية » في الإشارة إلى أهل البيت عليهم السلام .